Back

 

 

تحليق أليدورو كاتوتشي

 

عفوية، حيوية، شفافية، هذه هي الفضائل الواضحة في عالم أليدورو كاتوتشي، شاعر على الورق كما في الحياة. شعر أليدورو كاتوتشي ليس الملجأ السري لكائن ملتف على نفسه، بل هو تدفق عفوي لأبيات شعر ألفتها روح مرهفة، سافرت مراراً و تكراراً و تعمقت في الأشياء.

الشاعر، وبإندفاع عامر، يعطي صوتاً لعالمه الداخلي ملتجأ من الدروب التيهية المفضلة لدى الطبيعة المنطوية على ذاتها : أمح ملامح الخوف عن وجهك / الحياة / لن تتمكن حقاً من أذيتك / إذا كان قلبك صادقاً / و في ذهنك / الأفكار الجميلة فقط / كجمال زهور البرية في الربيع.

 

من الضروري التعرف شخصياً على هذا الفنان الإنتقائي، الذي يتمتع بإحساس رقيق فرح، الموهوب  بقوة حس بصري وهو أيضاً مصور للفنون لفهم أن نظم الشعر بالنسبة له يعني التوغل في طرقات العالم الذي يمر عبر دروبه الأساسية. أتكلم عن قدر الأسماء مجازفاً أن يتهم بالإلتجاء الى جناس سهل، وأدعو القارئ للإستسلام الى التحليق السحري الذي يقدمه أليدورو. تحليق بين المشاعر، تحليق في منطقة نائية حيث يتعايش الإنسان مع البؤس، تحليق بين أقدار الشعوب المختلفة عنا، تحليق بين أوجه الكائنات البعيدة: "ألوف الوجوه العابرة / التي لن تعود أبداً / لترافقك".

 

الرحلة الطويلة لم تضلل أليدورو كاتوتشي الذي اقتدى بالذكريات القديمة ذكرياته في توسكانا، حيث كل شيء بدأ مع روحه قائلاً: " نظرة غامضة / الى الشربين المعطر/ الى الحقول المحروثة حديثاً / الى الأرض المبللة في الشتاء / و مع رائحتها / الطيبة / التي تسلك درب السماء".

 

اتصاله مع الخارج عرّفه على عالم المهاجرين الغريب، المهاجرون الذين عانوا من خبرة حرة في الأرض التي تبنوها. في الواقع لا أحد يتمكن من هجر "محور الكون" موطنه بالذات دون أن يعي أن العالم لا محور له. من بين أجمل بيوت شعره، تلك التي كرسها لمغترب كلابريّ أنشدها لمسقط رأسه : كلابريا.

 ومع قدرته البالغة على تحقيق ذاته، إتّخذ أليدورو مونريال، موطن المغتربين وطناً له مغنياً " حقبة الأحلام عند الفتى الكلابري". وبفضل الشعر أصبح أليدورو المولود في توسكانا إبناً محباً و بالتبني لهذه الأرض. وهي بالذات هذه الأقدار أقدار الغير التي رمقها بروحه وبهدف ما، التي صنعت ثروة عالمه الكبيرة. الأنانية المعذبة، القادرة على إيقاظ  شعر منظوم على التوبيخ المر بعيدة كل البعد عن طبيعته المرحة المحبة لسحر الحياة وفي الوقت عينه الحالمة و الرثائية. الحيوية المفرطة، التي تميزه في الحياة تتحول إلى عفوية غنائية بفضل طبيعته الفنية وحبه للأخر كرمه وإحساسه المرهف والرقيق يؤمنون له الزاد الضروري لهذه المرحلة المدهشة في سماء الشعر.

 

 

                      كلاوديو أنطونيلَي